ابن خلدون
104
تاريخ ابن خلدون
قوم مرهوب جانبهم شديد بأسهم كثير جمعهم مظاهرون لأمم العالم وأجياله من العرب والفرس ويونان والروم لكنهم لما أصابهم الفناء وتلاشت عصابتهم بما حصل لهم من ترف الملك والدول التي تكررت فيهم قلت جموعهم وفنيت عصابتهم وعشائرهم وأصبحوا خولا للدول وعبيدا للجباية واستنكف كثير من الناس عن النسب فيهم لأجل ذلك والا فقد كانت أوروبا أميرهم كسيلة عند الفتح كما سمعت وزناتة أيضا حتى أسر أميرهم وزمار بن مولات وحمل إلى المدينة إلى عثمان بن عفان ومن بعد ذلك هوارة وصنهاجة وبعدهم كتامة وما أقاموا من الدولة التي ملكوا بها المغرب والمشرق وزاحموا بنى العباس في ديارهم وغير ذلك منهم كثير وأما تخلقهم بالفضائل الانسانية وتنافسهم في الخلال الحميدة وما جبلوا عليه من الخلق الكريم مرقاة الشرف والرفعة بين الأمم ومراعاة المدح والثناء من الخلق من عز الجوار وحماية النزيل ورعى الأذمة والوسائل والوفاء بالقول والعهد والصبر على المكارم والثبات في الشدائد وحسن الملكة والاغضاء عن العيوب والتجافي عن الانتقام ورحمة المسكين وبر الكبير وتوقير أهل العلم وحمل الكل وكسب المعدوم وقرى الضيف والإعانة على النوائب وعلو الهمة وإباية الضيم ومشاقة الدول ومقارعة الخطوب وغلاب الملك وبيع النفوس من الله في نصر دينه فلهم في ذلك آثار نقلها الخلف عن السلف لو كانت مسطورة لحفظ منها ما يكون أسوة لمتبعيه من الأمم وحسبك ما اكتسبوه من حميدها واتصفوا به من شريفها أن قادتهم إلى مراقي العز وأوفت بهم على ثنايا الملك حتى علت على الأيدي أيديهم ومضت في الخلق بالقبض والبسط أحكامهم وكان مشاهيرهم بذلك من أهل الطبقة الأولى فلكين بن زيرى الصنهاجي عامل إفريقية للعبيديين ومحمد من خزر والخير ابنه وعروبة بن يوسف الكتامي القائم بدعوة عبد الله الشيعي ويوسف بن تاشفين ملك لمتونة بالمغرب وعبد المؤمن بن علي شيخ الموحدين وصاحب الامام المهدى وكان عظماؤهم من أهل الطبقة الثانية السابقون إلى الراية بين دولهم والمعاهدون لملكهم بالمغرب الأقصى والأوسط كبيرهم يعقوب بن عبد الحق سلطان بنى مرين ويغمراسن بن زيان سلطان بنى عبد الواد ومحمد بن عبد القوى ووزمار كبير بنى توجين وثابت بن منديل أمير مغراوة أهل شلف ووزمار بن إبراهيم زعيم بنى راشد المتعارضين في أزمانهم المتناغين في تأثيل عزهم والتمهيد لقومهم على شاكلته بقوة جمعه فكانوا من أرسخهم في تلك الخلال قدما وأطولهم فيها يدا وأكثرهم لها جمعا طارت عنهم في ذلك قبل الملك وبعده أخبار عنى بنقلها الاثبات من البربر وغيرهم وبلغت في الصحة والشهرة منتهى التواتر وأما اقامتهم لمراسم الشريعة وأخذهم باحكام الملة ونصرهم